ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
229
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
وهو الذي حجبك عن عبوديتك ، وبه ترأست حين قيل للملائكة : بل عباد مكرمون ، فافهم ما ترأسوا قط لعدم سرّ الجمعية العامة الكبريائية من حقائقهم فكانوا عبيدا . وبهذا صحّ لك مقام الخلاف على العامة ، وبه طلبت التقدم والرئاسة ، واحتجبت عن اللّه ، فلست من نمط العالم في شيء ، ولا تتميز معهم البتة ، فإنك انفصلت عنهم بسر الألوهية ، فإذا تميز الإنسان مع العالم بسر الجمعية الكبريائية ، فلا يقال من أشرف الملك ، أو الإنسان ، فإن التفاضل ما يقع إلا من جنس واحد والإنسان قد خرج عن أن يكون جنس العالم ، بل يزاحم الألوهيّة لوقوفه على الأسماء كلها من جهة سرّ الجمع العام الكبريائي المثبوت فيه . وذكر رضي اللّه عنه في « الفتوحات » في فضل الغني والفقير : إن الغنى صفة إلهيّة ، والفقر صفة العبد ، ولا يقال أن هذا أفضل من هذا العدم المناسبة بينها ، وهكذا الأمر هنا فافهم « 1 » . وأيضا لما كان الوجود كله فاضلا مفضولا لا أدري ذلك المساواة ، وإن يقال لا فاضل ولا مفضول ، بل وجود شريف كامل تام لا نقص فيه . كما قال الإمام الغزالي رحمه اللّه : إنه أبدع ما يكون ، وذلك لأنه ليس في المخلوقات بأسرها على اختلاف ضروبها أمر إلا هو مستند إلى حقيقة ونسبة إلهيّة ولا تفاضل في اللّه ؛ لأن الأمر لا يفضل نفسه ، فلا مفاضلة بين العالم في هذا الباب هو الذي يرجع إليه الأمر من قبل ، ومن بعد ، وعليه عول أهل الجمع والوجود وبهذا سمّوا أهل الجمع ؛ لأنهم أهل عين واحدة .
--> ( 1 ) قال سيدي ابن سبعين : واعلم أن الفقر به تتعلق الإرادة ، وفي ماهيته العامة والخاصة تتصرّف القدرة ، وهو الممكن بوجه ما ؛ إذ الإرادة متعلقة ببعض المعلومات ، وكذلك القدرة . فإن الغني المطلق الغنى لا يفعل في ذاته ولا ينفعل لأحد ، ولا يمكن ذلك فيه عزّ وجل ، بل هو الفاعل على الإطلاق في غيره على الإطلاق .